مجمع البحوث الاسلامية
479
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
نعم ، تفاصيل الأحكام ممّا لا سبيل إلى تلقّيه من غير بيان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، كما أرجعها القرآن إليه في قوله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الحشر : 7 ، وما في معناه من الآيات وكذا تفاصيل القصص والمعاد مثلا . ومن هنا يظهر أنّ شأن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في هذا المقام هو التّعليم فحسب ، والتّعليم إنّما هو هداية المعلّم الخبير ذهن المتعلّم وإرشاده إلى ما يصعب عليه العلم به والحصول عليه ، لا ما يمتنع فهمه من غير تعليم ، فإنّما التّعليم تسهيل للطّريق وتقريب للمقصد ، لا إيجاد للطّريق وخلق للمقصد . والمعلّم في تعليمه إنّما يروم ترتيب المطالب العلميّة ، ونضدها على نحو يستسهله ذهن المتعلّم ويأنس به ، فلا يقع في جهد التّرتيب وكدّ التّنظيم ، فيتلف العمر وموهبة القوّة ، أو يشرف على الغلط في المعرفة . وهذا هو الّذي يدلّ عليه أمثال قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ النّحل : 44 ، وقوله تعالى : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ الجمعة : 2 ، فالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إنّما يعلّم النّاس ويبيّن لهم ما يدلّ عليه القرآن بنفسه ، ويبيّنه اللّه سبحانه بكلامه ، ويمكن للنّاس الحصول عليه بالآخرة لأنّه صلّى اللّه عليه وآله يبيّن لهم معاني لا طريق إلى فهمها من كلام اللّه تعالى ، فإنّ ذلك لا ينطبق ألبتّة على مثل قوله تعالى : كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فصّلت : 3 ، وقوله تعالى : وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ النّحل : 103 . على أنّ الأخبار المتواترة عنه صلّى اللّه عليه وآله ، المتضمّنة لوصيّته بالتّمسّك بالقرآن والأخذ به ، وعرض الرّوايات المنقولة عنه صلّى اللّه عليه وآله على كتاب اللّه ، لا يستقيم معناها إلّا مع كون جميع ما نقل عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، ممّا يمكن استفادته من الكتاب ، ولو توقّف ذلك على بيان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله كان من الدّور الباطل ، وهو ظاهر . على أنّ ما ورد به النّقل من كلام الصّحابة ، مع قطع النّظر عن طرقه لا يخلو عن الاختلاف فيما بين الصّحابة أنفسهم ، بل عن الاختلاف فيما نقل عن الواحد منهم ، على ما لا يخفى على المتتبّع المتأمّل في أخبارهم . والقول بأنّ الواجب حينئذ أن يختاروا أحد الأقوال المختلفة المنقولة عنهم في الآية ، ويجتنب عن خرق إجماعهم ، والخروج عن جماعتهم ، مردود ، بأنّهم أنفسهم لم يسلكوا هذا الطّريق ، ولم يستلزموا هذا المنهج ، ولم يبالوا بالخلاف فيما بينهم ، فكيف يجب على غيرهم أن يقفوا على ما قالوا به ، ولم يختصّوا بحجّيّة قولهم على غيرهم ، ولا بتحريم الخلاف على غيرهم دونهم . على أنّ هذا الطّريق وهو الاقتصار على ما نقل من مفسّري صدر الإسلام من الصّحابة والتّابعين في معاني الآيات القرآنيّة ، يوجب توقّف العلم في سيره ، وبطلان البحث في أثره ، كما هو مشهود في ما بأيدينا من كلمات الأوائل ، والكتب المؤلّفة في التّفسير في القرون الأولى من الإسلام ، ولم ينقل منهم في التّفسير إلّا معان ساذجة بسيطة خالية عن تعمّق البحث وتدقيق النّظر ، فأين ما